
“جناك قلعة لم تنتهِ، بل يُراد استمرارها عبر الانقلابات…”
قد يبدو أن الانقلابات قد انتهت، لكنها تستمر بأشكال مختلفة؛ من خلال مشاريع سياسية، واقتصادية، واجتماعية، يُراد من خلالها إخضاع دولتنا وأمتنا…
لقد استولى العقل الانقلابي على السلطة من خلال “استخلاص مهمة من الوضع القائم” نتيجة الظروف التي يتم إعدادها قبل كل انقلاب. وعلى الرغم من تغيّر المبررات، فإن النتيجة لم تتغير أبداً؛ حيث منح الانقلابيون الإمبرياليين القدرة على توجيه بلدنا في المسار الذي يرغبون فيه.
في 27 أيار/مايو:
الوضع: نظام قمعي وردّة دينية
المهمة: إنهاء الصراع بين الإخوة ومكافحة الرجعية
التنفيذ: انقلاب عبر لجنة الوحدة الوطنية
في 12 أيلول/سبتمبر:
الوضع: الفوضى والإرهاب
المهمة: إرساء السلم والأمن
التنفيذ: انقلاب من خلال التسلسل القيادي الهرمي للقوات المسلحة التركية
في 28 شباط/فبراير:
الوضع: ردّة الدينية
المهمة: مكافحة الرجعية
التنفيذ: انقلاب ما بعد الحداثة
لم تتوقف الاستفزازات الإعلامية حتى الوصول إلى الانقلاب. وقد أُعطي القضاء وبعض المؤسسات الحكومية الأخرى “مهمة انقلابية”. وبدأت عملية طرد الكوادر المتدينة من القوات المسلحة التركية، التي شكّلت العمود الفقري للانقلاب، ومن مؤسسات الدولة الأخرى.
15 تموز/يوليو:
الوضع: الفساد
المهمة: الاحتلال
التنفيذ: حاول تنظيم فتح الله غولن (الذي تسلل إلى صفوف القوات المسلحة التركية) تسليم البلاد للمحتلين من خلال استخدام سلاح الشعب ضد الشعب.
خصائص العقلية الانقلابية
جذورها خارجية. تمثّل عقلاً تابعاً لعقل أعلى وعنصراً محلياً يعمل بأمره، وغايتها الأساسية هي الالتزام بالنظام العالمي الذي أنشأه ذلك العقل الأعلى، وتحويل البلاد إلى مصدر للمواد الخام وسوق استهلاكي للغرب.
تقوم هذه العقلية بأداء مهمة الحفاظ على استمرار البنية المتعاونة أو شبه المتعاونة.
التهديد المشترك الذي يتفق عليه النظام العالمي والنظام المحلي هو الإسلام، وكل من يُجسّد هذا الإسلام من أشخاص، ومؤسسات، ومنظمات.
الهيمنة العالمية تسعى، عبر أجهزة خلق الإرهاب والفوضى على مستوى العالم التي صممتها بنفسها، إلى فرض صورة لإسلام حسب رغبتها (!). ولهذا الغرض، تقوم بتشكيل وكلاء لتنفيذ الانقلابات في الدول المستهدفة. وتعتبر الجماعات الإرهابية مثل فتح الله غولن (FETÖ)، داعش، القاعدة، بوكو حرام من أوضح الأمثلة على ذلك.
من خلال الثنائي قسد وداعش، في شمال سوريا وشمال العراق، جنوب بلدنا، يلعبون لعبة “اهرب من الأرنب.. أطلق على الظبي!”، حيث ارتكبوا مجازر بحق ملايين الناس، وأجبروا الكثيرين على النزوح، واستولوا على الأراضي عبر الجماعات الإرهابية التي يسمونها “شركاءهم”.
النظام الدولي يخاف من الإسلام، ويتخذ تدابير محلية وعالمية ضده. على الصعيد المحلي، يُربط الإسلام بالرجعية والإرهاب، وعلى الصعيد العالمي يُراد جعله طرفاً في صراع الحضارات.
في انقلابات 27 أيار/مايو 1960، و12 آذار/مارس 1971، و12 أيلول/سبتمبر 1980، كان الشعب يرى الانقلابات لصالح البلاد بسبب تأثيره عليها، ولم يكن يستطيع التمييز بين الجيش والانقلابيين.
في فترة انقلاب 12 أيلول/سبتمبر، الذي يُعتبر وصمة سوداء في تاريخ تركيا، تم اعتقال 650 ألف شخص، وتم محاكمة 230 ألف شخص في 210 آلاف قضية، وطُلب الحكم بالإعدام على أكثر من 7 آلاف شخص، وأُصدر حكم الإعدام على 517 شخصاً، وأُعدم 50 منهم، وأُرسلت ملفات 259 شخصاً المطلوب إعدامهم إلى البرلمان التركي.
لم يُمنح 388 ألف شخص جواز سفر، وتم فصل 30 ألف شخص من أعمالهم بسبب اعتبارهم غير مرغوب فيهم، وتم تجريد 14 ألف شخص من جنسيتهم، وغادر 30 ألف شخص كلاجئين سياسيين إلى الخارج.
النتيجة:
تسعى الدول الإمبريالية من خلال سياساتها التي ترى أن “معركة جناك قلعة لم تنتهِ”، إلى تقييد شعبنا مرة أخرى.
وتُراد مواصلة فرض شروط الاستعباد التي يرغبون تطبيقها على الأمة التركية عبر الانقلابات.
لقد حان الوقت الآن للصلح مع قيمنا الوطنية والمعنوية.
يجب أن نتخلص من جنون الارتياب في الأيديولوجيا الرسمية التي تعتبر الإسلام عدواً أبديًا.
من ناحية أخرى، انتهى عهد التركيز فقط على الأمن الداخلي، الذي نشأ نتيجة التصور الزائف للأمن الخارجي الذي خلقه الناتو لسنوات طويلة.
إن الاستعدادات العسكرية التي تقترب من حدودنا، ومحاولات إثارة الفوضى داخلياً، تهدف، كما كان الحال قبل قرن من الزمان، إلى إعادة تشكيل هذه الأراضي العريقة التي نعيش عليها نحن وإخوتنا في المنطقة المجاورة، حسب ما يرغبون.
الخرائط التي تُظهر استهداف وحدة أراضي البلاد، والعمليات العلنية والخفية التي تُنفذ لتطبيق هذه الخرائط على الواقع الميداني، والسياسة الإمبريالية التي يُراد فرضها على دولتنا، كلها تكشف الأمور بوضوح تام.
البنى الانقلابية هي أكبر عقبة أمام التعاون الإقليمي.
يجب إعادة بناء الديناميات الداخلية والخارجية على أساس القيم الوطنية والمعنوية، وبالاعتماد على عناصر القوة الوطنية.
التعاون مع مراكز القوة العالمية لا يخدم سوى تحقيق أهدافهم فقط.
يجب إزالة جميع الأسباب التي أدت إلى الانقلاب، ومحاسبة كل العناصر التي خدمت الانقلاب.
وباختصار: لو تم محاسبة انقلاب 27 أيار/مايو، لما حصل إنذار 12 آذار/مارس، ولو تم محاسبة إنذار 12 آذار/مارس، لما حدث انقلاب 12 أيلول/سبتمبر، ولو تم محاسبة انقلاب 12 أيلول/سبتمبر، لما حصلت مخططات الانقلابات اللاحقة مثل باليوز إرغنكون، وإنذار 27 نيسان/أبريل 2007 الإلكتروني، وأخيراً لما تم محاولة الاحتلال في 15 تموز/يوليو.
اليوم، معاقبة عدد قليل من الجنرالات رمزيًا بسبب الانقلاب لا يعني أن الانقلابات قد حُسبت حسابها بالكامل. يجب محاسبة جميع الانقلابيين، بمن فيهم الإعلام، والجامعات، والنقابات، وبعض إدارات الجمعيات التي شجعت القوات المسلحة على الانقلاب وكانت تعمل خلف الكواليس.
بمعنى آخر، لم يتم محاسبة القضاء الانقلابي، والإعلام، ومحفزي الاقتصاد الربوي، بالقدر المطلوب. رغم أن بعض مظالم الضحايا قد تم تعويضها جزئيًا إلى حد ما، إلا أن الحق والقانون والعدل لم يُطبقوا بشكل كامل.
ما لم تُحاسب كل الجهات المعنية، وما لم تُزال كل المظالم التي يجب تصحيحها، لا يمكن اعتبار الانقلابات منتهية.
نقدم هذا بكل احترام للرأي العام.
مجلس إدارة أصّام

