
تركيا، لم تواجه في حربها ضد الإرهاب الانفصالي منذ أكثر من 40 عامًا مشكلة أمنية فحسب، بل واجهت أيضًا حربًا متعددة الطبقات بالوكالة تقودها قوى عالمية. لقد استهدفت الدوائر الخارجية التي غذت مختلف المنظمات الإرهابية، وعلى رأسها حزب العمال الكردستاني (PKK)، أيديولوجيًا ولوجستيًا، زعزعة استقرار تركيا ومنعها من الصعود إلى الدوري العالمي، بالإضافة إلى تصفير دورها الإقليمي. خلال هذه العملية، اتخذت الحكومات المتعاقبة تدابير مختلفة؛ ففي بعض الفترات حاولت قمع الإرهاب بالوسائل العسكرية فقط، بينما طُرحت في فترات أخرى عمليات تفاوض مع الإرهاب. إلا أن هذه السياسات وحدها لم تكن كافية للقضاء على الأسباب الجذرية للمشكلة.
اعتبارًا من العقد الأول من الألفية الثانية، ومع تغير التوازنات الدولية وتوسع الرؤية العالمية لتركيا بقيادة ورئاسة السيد رجب طيب أردوغان، بدأ يتطور فهم أكثر استراتيجية وشمولية لمكافحة الإرهاب. وقد تحول هذا الفهم إلى مفهوم ملموس بمساهمات الجنرال المتقاعد الراحل عدنان تانريفردي، الرئيس المؤسس لأصّام وكبير مستشاري رئيس الجمهورية في ذلك الوقت. لقد تحول المفهوم الجديد لمكافحة الإرهاب الذي تم تطويره تحت قيادة تانريفردي بعيداً عن ردود الفعل الدفاعية الكلاسيكية من خلال إعطاء الأولوية لمكافحة الإرهاب في مصدره، أي عبر الحدود، واتخذت هذه المكافحة هيكلاً استباقياً استخباراتياً متعدد الأبعاد يشمل عناصر محلية ويركز على الدبلوماسية الدولية. لم يكن الهدف من هذا التحول هو النجاح العملياتي في الميدان فحسب، بل كان يهدف إلى تجفيف المنابع الاجتماعية والاقتصادية والجيوسياسية للإرهاب.
خلال هذه الفترة، كان التقدم الذي أحرزته تركيا في مجال الصناعات الدفاعية عنصراً حاسماً آخر في هذه العملية. فمنذ عام 2010، وفرت الزيادة في القدرة الإنتاجية الوطنية والمحلية التفوق التكنولوجي في مكافحة الإرهاب وعززت الثقة بالنفس العملياتية من خلال تقليل الاعتماد على الخارج. لقد كان الإنتاج المحلي لمنصات مثل الطائرات المسيرة (الطائرات بدون طيار والطائرات بدون طيار المسلحة)، والمركبات البرية المدرعة، وأنظمة التوجيه الدقيق، حجر الزاوية في النجاحات التي تحققت على أرض الميدان. ولقد حد الاستخدام الفعال لأنظمة مثل بيرقدار وعنقاء بشكل كبير من قدرة العناصر الإرهابية على الحركة، كما أتاح التدمير الدقيق للأهداف في العمليات عبر الحدود.
في ضوء كل هذه التطورات، لم تعد تركيا في موقع الدفاع في مكافحة الإرهاب، بل اتبعت استراتيجية تقوم على تحديد التهديدات والقضاء عليها في مهدها، وبذلك أنهت الإرهاب. لا تكمن أهمية هذا المفهوم الجديد في نجاحاته العسكرية فحسب، بل أيضًا في إظهاره لعزم تركيا وقدرتها على التحرك باستقلالية في التوازنات العالمية.
إن مكافحة تركيا للإرهاب ليست مسألة أمن داخلي فحسب، بل أصبحت أيضًا سياسة دولة متعددة الأبعاد تجمع بين رد الفعل لحماية المصالح الوطنية والاختراقات الداخلية في صناعة الدفاع والحكمة الاستراتيجية. لقد مهد هذا التحول، كثمرة لاستخلاص الدروس من تجارب الماضي الأليمة ورؤية جديدة تشكلت بالإرادة الوطنية، الطريق لعملية أدت إلى نهاية الإرهاب.
نتيجة لكفاح تركيا المتعدد الأبعاد والحازم والفعال، أدركت الأطراف العالمية التي استخدمت المنظمات الإرهابية كأدوات وكالة لأعوام طويلة وبحسابات مصالح مختلفة، أنها لم تستطع تحقيق المكاسب الاستراتيجية التي توقعتها من استثماراتها في الإرهاب. وعلى وجه الخصوص، فإن العمليات العابرة للحدود، والتفوق الاستخباراتي في مجال الأمن الداخلي، والتحركات المحلية والوطنية في مجال الدفاع، وتزايد مستوى الوعي العام ضد الإرهاب، قد حدت بشدة من تأثير هذه الجهات الفاعلة في هذا المجال. هذا الوضع أجبر القوى العالمية على سحب دعمها للمنظمات الإرهابية التي كانت تستخدمها ضد تركيا. فحزب العمال الكردستاني الذي فقد دعمه الدولي إلى حد كبير خسر تفوقه النفسي تماما وبدعوة السيد دولت باهجلي “فليعلن زعيم الإرهاب من جانب واحد أن الإرهاب انتهى وأن منظمته ستتم تصفيتها” ودخل في عملية إنهاء ذاتي باقتراب النهاية المحتومة. هذا التطور ليس فقط انهياراً لمنظمة إرهابية، بل هو انتصار للعقيدة والاستراتيجية الأمنية التركية الجديدة القائمة على الإرادة الوطنية.
في الفترة المقبلة، سيكون للحل الكامل لحزب العمال الكردستاني، الذي فقد إلى حد كبير فعاليته في الميدان، تداعيات مهمة ليس فقط في سياق مكافحة الإرهاب، بل أيضاً في المعادلة السياسية التركية. أما بالنسبة للهياكل التي تستند في أساس وجودها إلى خطاب موازٍ لمنظمة إرهابية وتفاعل مع قاعدتها، سيخلق هذا الوضع أزمة شرعية وتمثيل خطيرة. وفي هذا السياق، يبدو أن الإنهاك الأيديولوجي والاجتماعي الذي سيشهده حزب الديمقراطي، الذي يعتبره الجمهور الامتداد السياسي لحزب العمال الكردستاني، مع حل التنظيم، أمرًا حتميًا. كما سيؤثر هذا التطور على التوازن السياسي الذي يتشكل على محور تحالف الشعب والتحالف الوطني، وسيتسبب في إحداث نقاط فاصلة جديدة في سلوك الناخبين وسياسة التحالف. ولذلك، فإن نهاية الإرهاب ليست نجاحاً أمنياً فحسب، بل هي أيضاً بشارة لعهد جديد في البنية الديمقراطية والسياسية والاجتماعية في تركيا.
لقد حققت تركيا اليوم إنجازًا تاريخيًا بعد مسيرة طويلة وصعبة في مكافحة الإرهاب. وفي بناء هذه المرحلة الجديدة، كانت إرادة القيادة التي وجهت بتقديم تضحيات جسيمة والقرار الاستراتيجي هما العنصران الأكثر تحديدًا. وقد لعب رئيس الجمهورية التركية، السيد رجب طيب أردوغان، وأعضاء مجلس الوزراء الرئاسي السابقين والحاليين، ورئيس حزب الحركة القومية، السيد دولت بهجلي، وجميع أبناء وبنات الوطن العاملين في المجالس والهيئات والمؤسسات الأمنية ذات الصلة، أدواراً حاسمة في إنجاح هذه العملية. لقد كان الكفاح الذي تم بهذه المثابرة والتصميم إنجازًا مشتركًا ليس فقط لتركيا، بل أيضًا للسلام في بلدان المنطقة وللإنسانية جمعاء التي تقدّر السلام والعدالة على نطاق عالمي. ونحن كأمة، فإن الشعور المشترك بين كل من يريد أن يعيش في سلام في هذه الأراضي هو الشعور بالامتنان والعرفان الذي لا نهاية له لكل مهندسي هذا الموقف الحاسم الذي سجله التاريخ.
مليح تانريفردي
رئيس مجلس الإدارة

